الذكاء الاصطناعي في مشاريع البناء السعودية
يشهد قطاع البناء والتشييد في السعودية تحولًا متسارعًا مع انتقال العديد من المشاريع العملاقة من مراحل التخطيط والتصميم إلى التنفيذ الفعلي، وهو ما يزيد الحاجة إلى أدوات قادرة على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات والنماذج والوثائق والقرارات الهندسية.
وفي هذا السياق ، برز الذكاء الاصطناعي في البناء السعودي باعتباره أحد التقنيات التي يمكن أن تغير طريقة إدارة المشاريع، ليس فقط من خلال أتمتة بعض المهام، وإنما عبر تحليل البيانات المتراكمة داخل المشروع واستخراج معلومات تساعد فرق التصميم والهندسة والإدارة على اتخاذ قرارات أكثر سرعة ودقة.
وخلال قمة Shaping Mega Projects 2026 في الرياض، تحدث ناجي عطالله، رئيس قطاع البناء والتصنيع لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في Autodesk، عن قدرة الذكاء الاصطناعي على فتح موجة جديدة من النمو في قطاع البناء السعودي، من خلال زيادة القدرة التشغيلية وتحليل بيانات المشاريع المتفرقة ومساعدة المهندسين على التركيز على القرارات ذات القيمة الأعلى.
ولا تأتي أهمية هذه التقنية من كونها اتجاهًا عالميًا فقط، وإنما من طبيعة المشاريع السعودية نفسها، التي تتطلب تنسيقًا بين أعداد كبيرة من المصممين والمقاولين والاستشاريين والموردين، وتنتج كميات هائلة من المعلومات التي تحتاج إلى إدارة وربط وتحليل مستمر.
من التصميم التقليدي إلى تصميم يعتمد على البيانات
تبدأ آثار الذكاء الاصطناعي في البناء من مرحلة التصميم، حيث يمكن للفرق الهندسية التعامل مع عدد أكبر من البدائل وتحليلها بصورة أسرع، بدل الاعتماد على عمليات يدوية طويلة عند كل تعديل أو تغيير.
وتزداد أهمية ذلك عندما يكون المشروع ضخمًا أو متعدد الاستخدامات، لأن أي تعديل في التصميم قد يؤثر في تخصصات أخرى مثل الإنشاءات والأعمال الميكانيكية والكهربائية والتشطيبات والبنية التحتية.
وهنا تتقاطع تقنيات الذكاء الاصطناعي مع نمذجة معلومات البناء BIM، إذ تصبح النماذج الرقمية مصدرًا للبيانات وليس مجرد تمثيل ثلاثي الأبعاد للمبنى.
وتوضح Autodesk أن دمج الذكاء الاصطناعي مع بيانات المشروع المتصلة يمكن أن يساعد الفرق على فهم ما يحدث داخل المشروع وما الذي ينبغي فعله بعد ذلك، وهو مفهوم تطلق عليه الشركة «ذكاء المشروع» Project Intelligence.
وهذا التحول مهم في المشاريع السعودية الكبرى، لأن القيمة لا تكمن فقط في امتلاك نموذج رقمي للمشروع، وإنما في القدرة على الاستفادة من البيانات الموجودة داخله وفي الوثائق المرتبطة به طوال دورة حياة المشروع.
ومن التطبيقات العملية لذلك اكتشاف التعارضات بين العناصر المختلفة قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ. وكلما اكتُشف التعارض في مرحلة مبكرة، أصبحت معالجته أسهل وأقل تكلفة مقارنة باكتشافه بعد بدء الأعمال في الموقع.
AI في قطاع التشييد يغير طريقة التعامل مع البيانات
تعتبر البيانات إحدى أكثر النقاط تعقيدًا في المشاريع العملاقة. فالمشروع الواحد قد يحتوي على آلاف الوثائق والنماذج والمخططات والتحديثات والملاحظات، وتتعامل معها فرق متعددة قد تعمل من مواقع مختلفة.
في هذه البيئة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا يتجاوز البحث التقليدي داخل الملفات، من خلال تحليل المعلومات وربطها وتحديد الأنماط والمشكلات المتكررة وتحويل البيانات المتاحة إلى مؤشرات يمكن أن تساعد فرق المشروع.
وتقدم تجربة شركة Nesma & Partners في السعودية مثالًا عمليًا على هذا الاتجاه. فقد طورت الشركة منصة رقمية مبنية على Autodesk Platform Services، وتضم مساعدًا للذكاء الاصطناعي متخصصًا في التعارضات، يستطيع فرز وتجميع آلاف حالات التعارض وتحويلها إلى عناصر قابلة للتعامل معها من جانب فرق المشروع.
ووفق Autodesk، تراقب المنصة في مشاريع البنية التحتية أكثر من 8300 وثيقة، وتعالج أكثر من 50 نموذجًا معقدًا، وتتتبع ما يصل إلى 240 ألف تعارض تاريخي، بينما تحولت بعض مهام التنسيق التي كانت تستغرق أيامًا إلى عمليات تستغرق دقائق.
وتوضح هذه الحالة أحد أهم استخدامات إدارة بيانات المشاريع: المشكلة ليست دائمًا في غياب البيانات، وإنما في كثرتها وتوزعها وصعوبة تحويلها إلى قرارات في الوقت المناسب.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كوسيط بين البيانات والمهندس ومدير المشروع، بحيث يقل الوقت الذي يقضيه الفريق في البحث والتصنيف والمراجعة اليدوية، ويزيد الوقت المتاح لتحليل المشكلة واتخاذ القرار.
مشاريع نيوم والذكاء الاصطناعي.. لماذا تحتاج المشاريع العملاقة إلى هذه التقنيات؟
عند النظر إلى مشاريع مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر والحدائق والمجتمعات الحضرية الكبرى، تظهر طبيعة مختلفة تمامًا عن مشروع بناء تقليدي محدود النطاق.
المشروع العملاق قد يضم عشرات المقاولين والاستشاريين، ومئات التخصصات، وملايين عناصر البيانات، ومراحل تنفيذ تمتد لسنوات. كما أن المشروع يمكن أن يتغير أثناء التنفيذ نتيجة متطلبات جديدة أو تحديثات هندسية أو تغيرات في الجدول الزمني أو الميزانية.
وتشير Autodesk إلى أن مشاريع المملكة العملاقة، من بينها مدينة نيوم ومشروع حديقة الملك سلمان، تمثل تحديات كبيرة في إدارة البيانات والتنسيق واتخاذ القرار، وأن بناء بيئة موحدة تعتمد على البيانات يمكن أن يساعد ملاك المشاريع ومديريها والمقاولين على تقليل المخاطر وتحسين الكفاءة التشغيلية.
لذلك فإن الحديث عن مشروعات نيوم ووظائف مشاريع نيوم والذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن كل قرار هندسي في مشروع بعينه أصبح يُتخذ بواسطة الذكاء الاصطناعي. الأدق أن التقنية تدخل تدريجيًا في أجزاء محددة من دورة العمل، مثل تحليل المعلومات، واكتشاف التعارضات، وأتمتة بعض العمليات، ودعم التخطيط والتنبؤ.
وهذا التدرج مهم؛ لأن نجاح AI في قطاع التشييد يعتمد على جودة البيانات التي يتعامل معها وعلى طريقة دمجه في سير العمل، وليس على وجود نموذج ذكاء اصطناعي بمفرده.
من تقليل الأخطاء إلى تحسين التنفيذ في الموقع
لا تتوقف فوائد الذكاء الاصطناعي عند مرحلة التصميم. فكلما اقترب المشروع من التنفيذ، تصبح الحاجة إلى المعلومات المحدثة أكثر أهمية.
المقاول ومدير الموقع يحتاجان إلى معرفة آخر إصدار من المخططات، ومواقع العناصر، وحالة الأعمال، والتعارضات التي لم تُحل، والوثائق المرتبطة بكل مرحلة. وأي فجوة بين المعلومات الموجودة على النظام وما يحدث فعليًا في الموقع يمكن أن تؤدي إلى إعادة عمل أو تأخير.
ولهذا تتجه تقنيات البناء في السعودية نحو ربط BIM والسحابة والأتمتة والواقع الرقمي والذكاء الاصطناعي في منظومة واحدة. وقد أكدت Autodesk في توجهاتها لعام 2026 أن القيمة الأكبر تظهر عندما تتصل البيانات والأشخاص وسير العمل بدل بقاء كل نظام في جزيرة منفصلة.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل مؤشرات المشروع والتنبيه إلى الأنماط التي تستحق المراجعة، وهو ما يمنح فرق الإدارة فرصة للتدخل في وقت مبكر بدل انتظار ظهور المشكلة بصورة واضحة في مرحلة متأخرة.
لكن هذا لا يعني اختفاء دور المهندس أو مدير المشروع. على العكس، تؤكد Autodesk أن الذكاء الاصطناعي يهدف إلى وضع الذكاء داخل سير العمل مع إبقاء الإنسان في مركز اتخاذ القرار.
التحول الرقمي في المقاولات يفرض مهارات جديدة
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، لن يكون التحدي الرئيسي متعلقًا بشراء البرامج فقط، وإنما بقدرة شركات المقاولات والاستشارات على إعادة تنظيم طريقة العمل.
فالشركة التي تمتلك بيانات غير منظمة أو أنظمة منفصلة أو نماذج BIM غير مترابطة لن تحصل بالضرورة على القيمة نفسها التي تحصل عليها شركة لديها بنية بيانات واضحة وسير عمل رقمي متكامل.
كما سيحتاج المهندسون ومديرو المشاريع إلى فهم أكبر للبيانات والأدوات الرقمية، حتى إذا لم يكونوا متخصصين في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بأنفسهم.
وتشير بيانات Autodesk العالمية لعام 2026 إلى أن تبني AI في قطاع البناء ما زال في مرحلة تطور، إذ أفادت الشركة بأن 32% فقط من قادة قطاع البناء الذين شملهم بحثها قالوا إنهم حققوا أهدافهم في الذكاء الاصطناعي أو اقتربوا من تحقيقها.
وهذا يعكس حقيقة مهمة بالنسبة للسوق السعودي: استخدام الذكاء الاصطناعي لن يتحول إلى نتيجة اقتصادية تلقائية لمجرد إدخاله إلى المشروع. الفائدة تعتمد على اختيار حالات الاستخدام المناسبة، وجودة البيانات، وتكامل الأنظمة، وتدريب الفرق، وقياس النتائج.
هل يصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في البناء السعودي؟
المؤشرات الحالية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يتجه ليصبح جزءًا متزايد الأهمية من منظومة البناء الرقمية في المملكة، خصوصًا مع ضخامة المشاريع وتعدد الجهات المشاركة فيها.
لكن القيمة الحقيقية لن تكون في استبدال المهندس أو المقاول، وإنما في تقليل الوقت الذي يذهب إلى الأعمال المتكررة والبحث اليدوي، وتحويل كميات كبيرة من البيانات إلى معلومات تساعد على اتخاذ القرار.
وهذا يجعل الذكاء الاصطناعي في البناء السعودي مرتبطًا بثلاثة تحولات متزامنة: تصميم أكثر اعتمادًا على البيانات، وتنفيذ أكثر اتصالًا بالأنظمة الرقمية، وإدارة مشاريع تستطيع الوصول إلى المعلومات وتحليلها في الوقت المناسب.
ومع انتقال مشاريع رؤية السعودية 2030 بصورة أكبر من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ والتسليم والتشغيل، ستزداد قيمة هذه القدرة. فكلما كبر المشروع وتعقدت شبكة المشاركين فيه، أصبحت إدارة البيانات والتنسيق والقدرة على اكتشاف المشكلات مبكرًا أكثر أهمية.
وبالتالي، فإن مستقبل AI في قطاع التشييد السعودي لا يرتبط فقط بمدى تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما بقدرة القطاع نفسه على بناء بيئة رقمية تكون فيها البيانات متاحة وموثوقة ومترابطة. وعندما يتحقق ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من أداة تجريبية إلى جزء فعلي من طريقة تصميم المشاريع وتنفيذها وإدارتها.